فاطمة الزهراء فلا
واقع أم خيال؟


رواية 'الإسكندرية 2050' لصبحي فحماوي تعد إضافة حقيقية للروايات التي اتخذت من الإسكندرية مكانا عبقريا لها.

ميدل ايست اونلاين
كتب ـ أحمد فضل شبلول

ثلاثة مستويات زمنية تؤطر لرواية "الإسكندرية 2050" للروائي الأردني صبحي فحماوي. المستوى الأول يقفز بنا إلى العام 2050 في مدينة الإسكندرية، والمستوى الثاني يعود بنا إلى الإسكندرية في الأعوام الخمسة التي تخللتها هزيمة 1967 (ما قبلها وبعدها)، والمستوى الثالث هو الزمن الذي كتبت فيه الرواية نفسها التي صدرت عام 2009 عن دار الفارابي في بيروت.

وعلى عكس ما هو متعارف عليه في روايات الخيال العلمي، أن ننطلق من الآن لنستشرف آفاق المستقبل، فإن رواية "الإسكندرية 2050" لعبت على وترين متشابكين، هما العودة من المستقبل في 2050 لماضي الشخصية الرئيسية وهي المهندس الفلسطيني مشهور شاهر الشهري أثناء لحظات احتضاره في منزل ابنته سمر بعد عودته إلى مدينته عكا، لينفتح بئر الذكريات أثناء دراسته في كلية الهندسة جامعة الإسكندرية عام 1966، فيقوم الفلاش باك بحمولته الروائية عن طريق شفط جهاز المخابرات الخاصة في عصر الخصخصة لما يدور بخلد المهندس الشهري (حيث تقف أجهزة المخابرات الحكومية عاجزة عن الوصول إلى ألف باء المعلومات التي تسجلها تلك الأجهزة الخاصة على أقراصها الحساسة).

ولعلنا نتمعن في لفظة (شفط) فأجهزة المخابرات الخاصة (تتنصت وتشفط منه ما يدور بخلده في هذه اللحظة الحاسمة)، وهو فعل حركي سريع جدا يتناسب مع الكم الهائل من المعلومات، الذي لا يدع فرصة للتأمل والانتقاء والاختيار الإنساني. فهو فعل آلي أكثر منه فعل إنساني. وما يشفط من ذكريات وأفكار وخيالات تسجل على قرص مدمج من السهل سماعه على الجهاز الخلوي (ويبدو أنه الجهاز المدمج الذي سوف يسود مستقبلا جامعا بين جهاز الكمبيوتر والتليفون المحمول وجهاز الراديو والتلفزيون والفيديو).

وفي حيلة فنية يعلن المؤلف عدم مسئوليته عن الرواية بعد لحظة الشفط، فمن سيؤلف ويسجل ويحرر ويدقق هو جهاز المخابرات الخاصة، وما سنقرأه يأتي على شاكلة رواية مدهشة ترجمت إلى كل اللغات الناطقة في شريحة مدمجة.

وإذا كان الأمر كذلك فمن الممكن أن نغذي الكمبيوتر ببعض التفاصيل الحياتية، فيقوم بتهيئتها أو إعادة صياغتها ليخرج لنا روائيا أو فنيا جديدا أو مبتكرا!

ولكننا على أية حال لسنا بصدد رواية رقمية، أو رواية تفاعلية، فعلى الرغم من أن جهاز المخابرات الخاصة هو الذي ألفها في العام 2051 إلا أنها رواية ورقية، ليس بها مغامرات شكلية أو روابط تفاعلية، تجمع بين ثلاثة أزمنة في سياق روائي تقليدي يتراوح في أكثر فصوله بين المستقبل والماضي.

أما ماضي الشخصية فيعود إلى سنوات الدراسة في كلية الهندسة جامعة الإسكندرية، وما تحمله تلك السنوات من ذكريات ونكات وأماكن وأحداث شخصية واجتماعية وسياسية، وكأنها تأريخ لتلك السنوات التي شهدت صعود الطبقة البرجوازية، ثم انكسارها بعد الهزيمة، كما شهدت على المستوى الشخصي الكثير من لحظات الحب والحزن والمرح والدهشة والانفعال بالحياة في مدينة كوزموبالتيية مثل الإسكندرية التي أحبها مشهور وانفعل بها كمدينة كونية، قائلا: (أما أنا فخاضع لغرامك المتحكِّم فيَّ أيتها الإسكندرية. ص 16)، و(تنقلت بين كل هذه العجائب وغيرها، فما وجدت مثلك يا اسكندرية في البلاد. ص 17) وعلى الرغم من ذلك يغادر مشهور الإسكندرية للعمل في دبي بعد تخرجه، ثم يعود إليها ثانية ليلتقي مع ابنه (برهان) وحفيده (كنعان) الذي صار إنسانا أخضر، في رحلة تحليلات وفحوصات طبية بالمدينة الطيبة الصينية بالإسكندرية، لمعرفة مدى نجاح تحويل الإنسان العادي إلى إنسان أخضر يستطيع السيطرة على الكون، فيعود الوجود إلى دورته الدائرة.

وهكذا يتنقل بنا السارد ـ أو القرص المدمج للرواية ـ في سهولة ويسر بين الماضي والمستقبل، كاشفا عن المفارقات الغريبة والعجيبة بين زمنين يفصل بينهما حوالي 85 عاما، منذ أن قدم الشهري إلى لإسكندرية وتخرج من جامعتها مهندسا، ثم سفره للعمل في دبي، وعودته مرة أخرى للمدينة في 2050 ليرى التطورات التي حدثت ودخلت على المدينة، وخاصة بعد أن اشترت إحدى الشركات الصينية العملاقة روح الإسكندرية، ونعني بها منطقة وسط البلد التي تجمع بين شوارع سعد زغلول وصفية زغلول والنبي دانيال وحديقة سعد زغلول على الكورنيش وصولا إلى منطقة الشاطبي وحتى حدود مكتبة الإسكندرية الجديدة ثم جنوبا إلى المسرح اليوناني الروماني بكوم الدكة التي رأت الشركة الصينية الإبقاء عليه كأثر سياحي يدر دخلا وعائدا ماديا كبيرا.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الرواية، شراء روح الإسكندرية، بعد أن بيعت جامعة الإسكندرية أو الجزء الخاص بالمجمع النظري في الشاطبي لتلك الشركة الصينية، ونقل الجامعة إلى منطقة أبيس الجنوبية، وهو الحديث الذي يثار الآن بالفعل داخل أروقة الجامعة، وهو ما يمثل في الوقت نفسه المستوى الزمني الثالث للرواية، وهو الزمن الذي كتبت فيه الرواية، وليس الزمن الفني لها الذي هو زمنان: المستقبل والماضي.

وإذا كان صبحي فحماوي يعرض لنا من خلال إحضاره للمستقبل، أن الشركة الصينية اشترت أماكن لها قيمتها التاريخية والمعمارية والحضارية في الإسكندرية، فإنه في الوقت نفسه يطلق في الزمن الحاضر صرخة محذرة من أن يحدث ذلك بالفعل (على أرض الواقع الفعلي وليس الواقع الروائي)، ويبدو أنه وهو يعيش في العاصمة الأردنية عمان الآن، يتابع بكل شغف واهتمام ما يدور من أحداث وتصريحات وكلام وأحاديث تحدث في الإسكندرية الآن، ليس فقط من بيع المجمع النظري بالجامعة، ولكن أيضا إنشاء متحف للآثار الغارقة تحت البحر، والتفكير في إنشاء منارة الإسكندرية في المكان نفسه الذي كانت فيه المنارة القديمة التي كانت إحدى عجائب الدنيا السبع.

لقد رفدت مثل هذه التصريحات والأحاديث خيال الكاتب بالكثير من الأجواء الروائية المستقبلية التي غذت صفحات كثيرة بالرواية، فوظفها خير توظيف، كما أفاد الكاتب من الكثير من النكات الاسكندرانية والألفاظ السكندرية البحتة، خاصة تلك التي تحمل إيحاءات جنسية، فوظفها في روايته التي اتسمت بالطابع السكندري في العديد من فصولها.

وإذا كان فحماوي متخرجا من كلية الهندسة جامعة الإسكندرية بالفعل وعاش فيها أثناء سنوات دراسته، فسيكون سؤالنا عن الجزء السيري في تلك الرواية المدهشة، وإلى أي حد كتب فحماوي سيرته الذاتية، أو جزءا منها في هذا العمل الذي استغرق 318 صفحة؟

ومثلما يجذبنا الجزء الشخصي في حياة مشهور، بعد أن تلصصت عليه الشركة الفنية المرخصة للتنصت، وقدمت ما شفطته لجهاز المخابرات الخاصة، فإنه يجذبنا أيضا الجزء الخاص بالخيال العلمي، وما سوف يسود العالم بعد سنوات "عندما يسيطر الإنسان الأخضر على الكون، وتصير حيوانات العالم كلها خضراء، فلا تُخرج أية فضلات، سيتحول عرق الناس والحيوانات الخضر إلى نتح وندى نقي، وستختفي المراحيض من البيوت، وستتوقف المجاري عن الانسياب، وتعود للأنهار بكارتها النقية، فتنساب رقراقة خالية من أي سوء، ولن يتلوث الهواء بالغازات المدمِّرة للكون، وستعود حرارة الكرة الأرضية إلى التوازن".

إنه حلم اليوتوبيا الذي لم يتحقق على مدى التاريخ منذ دعوة إبراهيم، وإعلان إخناتون عن عبادة الآله الواحد، وتعاقب الأنبياء والرسل، ومنذ أن تحدث أفلاطون عن مدينته الفاضلة، ومنذ أن حلم الفلاسفة على مدى القرون السابقة. فهل يتحقق ذلك الحلم بوجود الإنسان الأخضر الذي يحلم فحماوي بوجوده ـ عن طريق الأبحاث العلمية والخيال العلمي ـ في النصف الثاني من القرن الواحد والعشرين؟

وهل يتحقق حلم الكاتب باتحاد للولايات العربية، تنضم إليه مصر وتصبح زعيمة له، فتطمئن الشعوب العربية إلى مستقبلها الذي أبقى الزعماء العرب، كلا في موقعه، ولكنه بدأ بفتح الاقتصاد والحدود مثلما بدأت الوحدة الأوروبية؟

ولا نريد أن نغادر تلك الرواية قبل الإشارة إلى أن فحماوي أهداها إلى 18 شارع قنوات، حي باكوس ـ الإسكندرية، وهو المنزل الذي ولد فيه الزعيم جمال عبدالناصر حيث كان أبوه يعمل ببريد الإسكندرية في ذلك الوقت، وللإهداء مغزاه بطبيعة الحال، ويحيلنا إلى تلك الفترة الخصبة التي عاشها مشهور شاهر الشهري في الإسكندرية أثناء الحلم الناصري والمد الثوري، ورغم الهزيمة إلا أن الجماهير تمسكت بناصر وبالثورة، وكان الشهري أحد الذين خرجوا مع الجماهير معلنا رفض الهزيمة والتمسك بالقائد.

إن رواية "الإسكندرية 2050" لصبحي فحماوي بفصولها السبعة والثلاثين تعد إضافة حقيقية للروايات التي اتخذت من الإسكندرية مكانا عبقريا لها تدور فيه معظم أحداثها عن معايشة حقيقية وتشريحية للمجتمع السكندري.

غير أنني أهمس في إذن صديقنا الكاتب صبحي فحماوي أن العهد الذي تولت فيه كليوباترا السابعة حكم مصر هو العهد البطلمي، وليس عهد الفراعنة، والذي يبدأ ببطليموس الأول أول من حكم مصر من البطالمة بعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 323 ق. م. وينتهي هذا العهد عام 27 ق. م بهزيمة كليوباترا وأنطونيو في موقعة أكتيوم البحرية، فتخضع مصر إلى الحكم الروماني بقيادة أوكتافيوس أغسطس، وتتحول إلى مقاطعة رومانية حتى الفتح الإسلامي على يد عمرو بن العاص عام 641. إذن ليست كليوباترا هي آخر الفراعنة كما يذكر فحماوي غير مرة في صفحات الرواية.

أيضا نهمس في أذن فحماوي إلى أنه في عام 1966 لم تكن عمارات الإسكندرية على الكورنيش ترتفع إلى خمسة عشر طابقا، وإنما بدأت ظاهرة الأبراج السكنية على الكورنيش وغيره من المناطق منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، فبدأ البنيان يعلو علوا شاهقا.

أيضا أشير إلى أن الملك فاروق لم يكن له قصر في المعمورة، وإنما كان له قصران في الإسكندرية يقعان في المنتزة ورأس التين.

عدا ذلك تظل رواية "الإسكندرية 2050" سكندرية لحما ودما وكتابة وخيالا، ربما لم تتح الفرصة لأدباء وكتاب سكندريين كثيرين أن يكتبوا بهذا الحس وبهذا العشق وبهذه القريحة المشتعلة التي استحضر بها الإسكندرية بكل عنفوانها ونزقها واشتعالاتها في فترة الستينيات وهي الفترة التي عاصرتُ جانبا كبيرا منها، فأعادني صبحي فحماوي إلى تلك الأيام الشبابية العصية على الاسترجاع، وخاصة تلك الأيام التي كنا نذهب فيها إلى سينما بلازا، وننشد مع الأصدقاء النشيد (القومي) الذي أثبته فحماوي وكاد أن يضيع مني، وبه ننهي وقفتنا مع تلك الرواية المدهشة:

بلازا بلازا بلازا ..

فيك فيلم في منتهى اللزازة

بلازا يا أحلى السيمات

فيك غايتي والمراد

وعلى مترو التفات

فاسلمي لي يا بلازا.

وللأسف أغلقت سينما "بلازا" مع غيرها من السينمات التي كنا نرتادها في شبابنا، وظهرت سينما المولات، ولكن "بلازا" لم تضع مع فحماوي، مثلما ضاعت في طريق الحرية.

أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية